تتصاعد الحاجة إلى توجيه الجهود المجتمعية نحو دعم استدامة الخدمات العلاجية والتربوية والتأهيلية، المقدمة للأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحّد، في ظل الارتفاع المتواصل في تكاليفها، وطبيعتها طويلة الأمد، وهو ما يُشكل عبئاً مالياً متراكماً على الأسر، يتزايد مع تقدم الأبناء في العمر.
وأكد مدير عام مركز دبي للتوحّد عضو مجلس إدارته، محمد العمادي، أن خدمات التوحّد تُعد من أكثر الخدمات التخصصية كثافةً، من حيث عدد الساعات وتنوّع التدخلات، إذ لا تقتصر عادة على مجال واحد، بل تشمل مزيجاً من تحليل السلوك التطبيقي، وعلاج النطق، والعلاج الوظيفي، والدعم التربوي الفردي، والتدريب على المهارات الحياتية، ما يجعل كُلفتها التشغيلية مرتفعة بطبيعتها.
وقال أولياء أمور لأبناء من ذوي التوحّد إن ارتفاع كُلفة الجلسات والبرامج العلاجية يسبب ضغطاً نفسياً ومالياً، وقد يودي بهم إلى تقليل عدد الجلسات أو الانسحاب من المراكز، ما يعوق تطور أطفالهم على الوجه المطلوب.
وتُظهر المقارنات الدولية أن تكاليف خدمات التوحّد عالمياً تُعد من الأعلى بين مجالات التأهيل والعلاج النمائي، إذ تراوح كلفة ساعة جلسات تحليل السلوك التطبيقي (ABA) في عدد من الدول الغربية بين ما يعادل 440 إلى 550 درهماً، وقد تتجاوز الكلفة السنوية لبرامج التدخل المكثف مئات الآلاف من الدراهم بحسب عدد الساعات المطلوب وتعدد التخصصات المصاحبة، مثل علاج النطق والعلاج الوظيفي والدعم التربوي الفردي.
وأكد عبدالرحيم عيسى (أبوماجد) أن التكاليف المرتفعة لمراكز التوحّد تسبب ضغطاً مالياً ونفسياً على أهالي أطفال التوحّد، لاسيما أن الجلسات العلاجية تراوح بين 300 و500 درهم للجلسة الواحدة.
وأضاف أن ابنه (ناصر – ثماني سنوات) يلتحق بالنظام المدرسي في أحد مراكز التوحّد الخاصة بكلفة 70 ألف درهم في السنة الدراسية الواحدة، ويسدد المبلغ من ماله الخاص.
وبيّن أنه على الرغم من وجود جهات حكومية توفر جلسات لذوي التوحّد، فإنه يتم تخصيص جلسة إلى جلستين في الأسبوع فقط، ما يعيق التطوّر الفعلي للطفل من الناحية السلوكية.
وتابع: «تم تشخيص ابني ماجد بالتوحّد في عمر السنتين، وحاولت دمجه في إحدى المدارس الاعتيادية، لكنه واجه صعوبات في التواصل جعلته يترك المدرسة، واتجهنا لأحد مراكز التوحد»، موضحاً أن «المدارس تتطلب توافر معلم ظل للطلاب ذوي التوحد، ما يتطلب رواتب شهرية تراوح بين 3000 و4000 درهم، وقد لا ينتظم المعلم المرافق مع الطالب خلال الدوام الدراسي كونه عملاً خاصاً، وليس ضمن كادر المدرسة».
أمّا مريم المهري، والدة (راشد – ثماني سنوات)، فقالت إن ارتفاع تكاليف جلسات أصحاب الهمم سبب رئيس في تأخر تأهيلهم نظراً إلى تفاوت المقدرة المالية بين الأسر، مشيرةً إلى أن كثيراً من مراكز التأهيل تتنافس في رفع الرسوم السنوية والشهرية للجلسات، وذلك بسبب قلة المراكز.
وقالت هدى محمد (أم ناصر) إن ابنها (أربع سنوات) يحصل على دعم مالي لأصحاب الهمم من جهة حكومية، إلا أنها تضطر للمتابعة المستمرة في مراكز الخدمة لضمان الحصول على المبلغ لاستكمال الجلسات العلاجية، موضحة أن الإجراءات تتأخر بشكل يعيق استكمال الجلسات قبيل استلام المبلغ المطلوب.
وتابعت: «كان ابني ناصر يحتاج دعماً إضافياً من معلمة مختصة تقدّم له دروساً إضافية في مركز أصحاب الهمم الذي يلتحق به ضمن النظام المدرسي، ورفضت الإدارة زيارة المعلمة له لأنها ليست ضمن كادر المركز».
أمّا شيخة الكتبي والدة (محمد – 17 سنة) فقالت إن جهة عمل والد محمد كانت تقدّم الدعم المناسب لابنهما، إلا أن الدعم توقف عند بلوغه 14 عاماً، مشيدة بمبادرات دعم أسر أصحاب الهمم من الموظفين من جهات عملهم، لتخفيف الأعباء المالية عنهم.
ويرى مدير عام مركز دبي للتوحّد، محمد العمادي، أن شهر رمضان يُمثل فرصة لتحويل روح العطاء إلى دعم منظم لاستدامة الخدمات، عبر مساهمات الأفراد والمؤسسات في تمويل البرامج العلاجية والتعليمية، ورعاية الجلسات للأطفال غير القادرين، ودعم الصناديق المخصصة للخدمات المتخصصة.
وأضاف أن «دعم ساعة علاج واحدة قد ينعكس على مسار تطور طفل لسنوات»، مؤكداً أن «الاستثمار في هذه الخدمات هو استثمار في الإنسان والأسرة والمجتمع». كما أكد أن «دعم أصحاب الهمم مسؤولية مجتمعية مشتركة»، مشيراً إلى أن «نماذج الشراكات والدعم المؤسسي تمثل ركيزة أساسية في ضمان استمرارية الخدمات المتخصصة وجودتها».
وأشار العمادي إلى أن التوحد اضطراب نمائي يستمر مدى الحياة، حتى إن تحسنت المهارات والقدرات الوظيفية بدرجات متفاوتة، ما يعني أن الخدمات لا تكون قصيرة المدى، بل تمتد لسنوات، وتتغير طبيعتها مع المراحل العمرية، ومع تقدم الطفل في العمر، غالباً ما تزداد الحاجة إلى تدخلات سلوكية أكثر تخصصاً، وبرامج مهارات حياتية واجتماعية، وأحياناً إلى تأهيل مهني لاحقاً، وهو ما يجعل العبء المالي تصاعدياً مع الزمن، وليس مرحلياً.
![]()
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news