تابع قناة عكاظ على الواتساب
انطلق سعود، الابن البكر ذو الثلاثة والعشرين ربيعًا، بسيارته الجديدة التي أهداها له والده احتفاءً بتخرّجه من الجامعة، متجهًا مع أسرته إلى مكة المكرمة لأداء العمرة. وأثناء الطريق سأل الأب: «أين وصلنا يا سعود؟ اقرأ اللوحة التي أمامك». فتوقف سعود عند الاسم لحظةً، مندهشًا ومتسائلًا: «مشاش الطارف! ماذا تعني؟ أهي محطةٌ أم ماذا؟».
ابتسم الأب وقال: «يا ولدي… انتماؤنا لوطننا يبدأ بالاهتمام به، والاهتمام يبدأ من أبسط الأشياء: أن نعرف أسماء قرانا ومراكزنا وهجرنا كما نعرف طرقها».
ليس السؤال عن «مشاش الطارف» وحدها؛ بل عن جيلٍ تمرّ عليه أسماء مواضع في بلده ولا تقف في ذهنه. فكيف غابت عن أذهان هذا الجيل، وهي من أبسط مفردات الانتماء؟
تنبع أهمية أسماء القرى والهِجَر والمراكز من أنها ليست مسمياتٍ عابرة؛ بل جزءٌ أصيل من الهوية الوطنية، ومن جغرافية المملكة وتاريخها، ومن ملامح بنيتها الاجتماعية التي تشكلت حول المكان وعبر الزمان. وهي مفاتيح لفهم امتداد الوطن وحدوده وتوزّع معالمه ومجتمعاته. ثم إنها في جوهرها إرثٌ ثقافي متنوع؛ يحمل في ألفاظه لهجاتٍ ومعاني وذاكرةً محليةً غنية، تستحق أن تُعرف وتُتداول، لا أن تبقى حبيسة اللوحات أو الكتب المتخصصة.
ومع اتساع أدوات بناء الهوية، يبقى السؤال العملي: كيف نحقق هذا الهدف؟ فالتحدي ليس في الفكرة نفسها، بل في طريقة تقديمها، لتغدو أسماء الأماكن جزءًا معرفيًا مألوفًا في حياة الجيل الحالي والأجيال القادمة.
في المجال الرياضي مثلًا، يمكن استثمار الملاعب بوصفها مساحاتٍ يمكنها صنع ذاكرة حية؛ وذلك عبر توظيف الشاشات لعرض اسم الموضع، مع استعراض موقعه ومعناه ولمحة موجزة عن تاريخه، وتسمية المدرجات أو الجولات الرياضية بأسماء تلك المواضع وفق تنظيم الجهات المعنية، حتى تصبح جغرافية الوطن وتاريخه جزءًا من المشهد الذي يتابعه الجيل الشاب بشغف.
وفي الطرق بين المدن والمناطق، يمكن إضافة رمز استجابة سريعة (QR) على لوحات القرى والهجر والمراكز، بحيث يمكن الوصول إلى صفحة تعريفية مختصرة تتضمن نبذة جغرافية وتاريخية واجتماعية عن المكان. وبما أن معظم تفاعل الجيل اليوم يتم عبر الشاشات والتطبيقات، فيمكن تقديم أسماء المواضع بصورة تفاعلية من خلال ألعاب ومسابقات خرائط، كما يمكن تطوير تطبيق وطني لطرق المملكة يعرّف بالقرى والهجر والمراكز والمعالم عند البحث أو المرور، بنبذة موجزة وخرائط تفاعلية.
وفي رمضان فرصة ذهبية لتحويل المسابقات إلى نافذة للهوية المكانية؛ عبر أسئلة قصيرة عن مواقع القرى والهجر والمراكز، تُرفق بمعلومات مبسطة، فيجتمع الترفيه مع المعرفة.
ولأن هذا الملف يمس الثقافة والتعليم والإعلام والنقل والسياحة والرياضة، فإنه يحتاج إلى تنسيقٍ بين الجهات المعنية لبناء مبادراتٍ مشتركة تُعزّز الفكرة وتحوّلها إلى إنجازات ملموسة، حتى تتكرس أسماء المواضع ومعانيها وتواريخها في الوعي العام وتبقى حيّة في ذاكرة الأجيال.
* باحثة متخصصة في تاريخ الجزيرة العربية، وكاتبة صحفية.