• Sun. Nov 1st, 2026

24×7 Live News

Apdin News

«أم النزيلات».. سنوات من الرعاية والتأهيل خلف الأسوار تحوّل الانكسار إلى أمل

Byadmin

Nov 1, 2026



لم تكن السنوات التي قضتها العميد المتقاعد جميلة الزعابي في المؤسسات العقابية والإصلاحية بشرطة دبي مجرد فترة تقضيها مع النزيلات خلف الأسوار، بل مرحلة رأت فيها فرصة لكل نزيلة أن تعيد اكتشاف نفسها، وتتعلم حرفة، وتتصالح مع ماضيها، وتستعد لحياة جديدة بعد الإفراج عنها.

وبين نزيلات دخلن المؤسسة العقابية منهارات، وأمهات حُرمن من رؤية أبنائهن، وأطفال حرصت على ألا يشعروا بأن أمهاتهم خلف القضبان، تشكلت حكايات إنسانية جعلت الزعابي تُعرف بلقب «أم النزيلات»، بعدما تحولت علاقتها بهن من علاقة وظيفية إلى رابطة أمومة وثقة استمرت مع كثيرات حتى بعد مغادرتهن السجن.

واستعادت العميد المتقاعد جميلة الزعابي، خلال حوار مع بودكاست «عرب كاست»، محطات من تجربتها في سجن النساء، الذي دخلته عام 2015 برتبة رائد، وتحدثت عن فلسفة التعامل مع النزيلات، وبرامج التأهيل النفسي والمهني، والقصص التي بقيت عالقة في ذاكرتها، ومنها معلمة وقعت ضحية علاقة عاطفية انتهت بها إلى السجن، قبل أن تتعلم صناعة الحلويات وتفتتح مشروعاً ناجحاً في بلادها، ونزيلات اجتمعن بأمهاتهن بعد سنوات من الفراق، فضلاً عن حرص المؤسسة على توفير بيئة تحفظ كرامة النزيلات وتضمن للأطفال حياة أقرب ما تكون إلى الحياة الطبيعية.

وتفصيلاً، قالت الزعابي إن لقب «أم النزيلات» جاء مع مرور الوقت، بعدما أصبحن يلجأن إليها للاستشارة باعتبارها أماً ومرشدة، موضحة أن العلاقة لم تُفرض عليهن، وإنما نشأت بموافقتهن وثقتهن بها، حتى أصبحت جلساتهن أشبه بلقاءات أم وبناتها، انطلاقاً من قناعتها بأن التصالح مع الذات خطوة أساسية لحل المشكلات وتجاوز الأزمات.

وأضافت أن قصص النجاح بين النزيلات كثيرة، من بينها قصة معلمة كانت تعمل في دولة خليجية، وتعرفت إلى شخص من جنسية دولة عربية أقنعها بإحضار حبوب مخدرة، مدعياً أنها أدوية لعلاج الصداع، قبل أن يتم ضبطها وإيداعها السجن.

وأوضحت أن المعلمة واجهت صعوبة في تقبل واقعها الجديد، بعدما انتقلت من مهنة تقوم على تعليم الأجيال إلى السجن، لكنها التحقت بدورات تدريبية، ومارست الأعمال اليدوية، واعتنقت الإسلام وحفظت القرآن الكريم. وكانت محكومة بالسجن 10 سنوات، لكنها قضت أربع سنوات ونصف السنة، مستفيدة من حسن السلوك وحفظ القرآن.

وأضافت أن القصة لم تنتهِ بخروج المعلمة من السجن، إذ استمرت في التواصل مع العاملين فيه، وكانت ترسل صوراً من حياتها الجديدة، بعدما افتتحت مع أختها محلاً للحلويات في بلادها، مستفيدة من المهارات التي تعلمتها داخل المؤسسة، خصوصاً تزيين الكيك، حتى أصبح مشروعهما من المحال المعروفة هناك.

تجاوز الصدمة

وقالت الزعابي إن دخول السجن يُمثل صدمة لكثير من النزيلات، خصوصاً خلال الأشهر الستة الأولى، إذ يصعب على بعضهن تقبل ما حدث أو استيعاب التحول المفاجئ في حياتهن، لذلك يجري التعامل معهن تدريجياً، بمساعدة الباحثات الاجتماعيات والمتخصصين النفسيين.

وأضافت أن النزيلة تحتاج في البداية إلى وقت تستوعب فيه واقعها الجديد، ثم يبدأ المختصون توجيهها وتأهيلها نفسياً، قبل تحديد مهاراتها واهتماماتها وإشراكها في البرامج المناسبة لها.

وأكدت أن فلسفة المؤسسات الإصلاحية تقوم على أن النزيل جزء من المجتمع، وأن الطريقة التي يُعامل بها داخل المؤسسة تؤثر في عودته إليه، مشددة على ضرورة أن يخرج وقد حصل على فرصة لإعادة بناء حياته، لا أن يحمل مشاعر الغضب والعداء تجاه المجتمع.

وتابعت أن الحياة داخل المؤسسة منظمة، وتشبه في بعض جوانبها السكن الداخلي؛ إذ تبدأ النزيلات بالإفطار في موعد محدد، ثم الرياضة، وبعدها وقت للأنشطة والدورات التدريبية والحرف المهنية، ومنها الخياطة والكروشيه وصناعة المنتجات اليدوية.

وأشارت إلى أن النزيلات يحصلن على مقابل مادي عن الأعمال التي ينجزنها، كما يحصلن على نسبة من عائد بيع المنتجات، ما أتاح لبعضهن المساهمة في الإنفاق على أسرهن وتعليم أبنائهن.

وأضافت أن المؤسسة لم تكن تكلفهن بأعمال التنظيف العامة، إذ تتولاها شركة خارجية، بينما تقتصر مسؤولية النزيلة على ترتيب سريرها والمحافظة على نظافة مكانها، في إطار توفير بيئة تحفظ الكرامة وتساعد على الاستقرار.

وروت واقعة نزيلة بكت مع اقتراب الإفراج عنها، فظن الموجودون أنها تبكي فرحاً، قبل أن يتبين حزنها لمغادرة المكان الذي اعتادت عليه، وكانت تتقاضى مقابلاً لعملها داخله، مشيرة إلى شعور بعض النزيلات بالارتياح لانتظام الحياة وتوافر الاحتياجات الأساسية والأنشطة والفرص التدريبية.

أطفال بلا وصمة

وقالت الزعابي إن رعاية أطفال النزيلات كانت من الملفات التي حظيت باهتمام خاص، إذ حرصت المؤسسة على ضمان حقوقهم في الرعاية والتعليم، وألا يتحملوا تبعات أخطاء أمهاتهم أو يشعروا بالوصمة بسبب وجودهن داخل السجن.

وقالت إن القانون يسمح ببقاء الطفل مع أمه داخل المؤسسة حتى بلوغه عامين من العمر، مع مراعاة احتياجاتهما، ثم ينتقل إلى دار الرعاية التابعة لمؤسسة المرأة والطفل، وفق الإجراءات المعمول بها.

وأوضحت أن الأطفال كانوا يحصلون على الرعاية اللازمة، وأن المؤسسة أبرمت اتفاقاً مع مدرسة خاصة لإلحاق الأطفال بالدراسة بعد بلوغهم السن المحددة، مع توفير وسائل نقل خاصة تراعي خصوصيتهم.

وأوضحت أن الحرص امتد إلى التفاصيل اليومية، فالمركبات التي تنقل الأطفال إلى المدارس لم تحمل شعار الشرطة، حتى لا يعرف زملاؤهم أن أمهاتهم نزيلات، مع متابعة احتياجاتهم التعليمية والمعيشية ليعيشوا حياة طبيعية قدر الإمكان.

وأضافت أن رعاية الأطفال تراعي الحالة النفسية للأم أيضاً؛ فإذا عانت الاكتئاب أو صعوبة رعاية طفلها خلال فترات معينة، أمكن الاستعانة بالحضانة وإتاحة رؤيته وفق الظروف. وبعد انتقاله إلى مؤسسة الرعاية، تُنظم اتصالات مرئية وزيارات لضمان استمرار علاقته بأمه وعدم انقطاع التواصل.

عرس لا يُنسى

واستعادت الزعابي موقفاً إنسانياً لن تنساه، عندما طلبت ابنة إحدى النزيلات مساعدة المؤسسة في استكمال إجراءات زواجها، إذ كانت تحتاج إلى توقيع والدها الموجود في السجن على أوراق الزواج.

وقالت إن مدير المؤسسات العقابية والإصلاحية آنذاك وجّه بمساعدتها، فجرى إعداد حفل زفاف كامل، أُتيحت خلاله للأب فرصة مشاهدة ابنته في يومها الكبير، وكأن الأسرة اجتمعت من جديد رغم الظروف التي فرضها السجن.

وروت موقف أب دخل السجن حين كان عمر ابنته عامين، ولم يتمكن من رؤيتها حتى اقتربت من الثامنة، وظل لسنوات يتمنى لقاءها والتعرف إلى ملامحها.

وقالت إن المؤسسة رتبت مفاجأة له بمناسبة عيد ميلادها، واستدعت أفراد الأسرة، وجعلت اللقاء يبدو أولاً كزيارة عادية، قبل أن تفاجئه الطفلة راكضة نحوه وتحتضنه، في مشهد أبكى الموجودين، وقدمت المؤسسة لها هدية.

وأكدت أن هذه المواقف تذكّر العاملين بأن خلف كل نزيلة أو نزيل أسرة وأبناء وأمهات وآباء، وأن الدور الإنساني للمؤسسة لا يقل أهمية عن مسؤوليتها في تنفيذ العقوبة.

لقاء بعد 14 عاماً

ومن أكثر القصص تأثيراً فيها، نزيلة قضت سنوات طويلة في السجن، ولم ترَ أهلها نحو 14 عاماً، وكانت تتمنى لقاء والديها. وتمكنت المؤسسة من التواصل مع الأسرة وترتيب مفاجأة، فأُبلغت النزيلة بأن المدير يريد مقابلتها بسبب أمر غير عادي قامت به.

ودخلت وهي تتوقع المساءلة، لكنها فوجئت بوجود والديها أمامها، لتتحول توقعاتها بالمساءلة إلى فرحة لقاء انتظرته سنوات، وتعود في لحظات طفلة بين أحضان أمها وأبيها. وروت الزعابي أن نزيلة أخرى انحنت وقبّلت حذاء أمها حين زارتها، وطلبت السماح، مثقلة بالندم على جريمتها والعقوبة التي تقضيها.

ابنة مجهولة المصير

وتناولت قصة نزيلة إفريقية دفعها الفقر إلى قبول نقل مخدرات إلى دبي مقابل مبلغ مالي، بعدما تركت ابنتها لدى صديقة في بلدها، لكنها ضُبطت وحُكم عليها بالسجن 10 سنوات.

وقالت إن المرأة عانت صدمة شديدة في البداية، ثم بدأت تواجه مأساة أخرى بعدما انقطعت أخبار ابنتها ولم تعد تعرف مكانها لسنوات، قبل أن تعلم عبر سفارة بلادها أن صديقتها أودعتها داراً للأيتام، أُغلقت لاحقاً ووُزّع أطفالها على أماكن أخرى، فضاع أثر الطفلة.

وأضافت أن المرأة عاشت قلقاً مستمراً، لا تتمنى سوى معرفة مكان ابنتها والاطمئنان عليها. وكان الأكثر إيلاماً أنها غادرت بلدها، بحسب روايتها، لتوفير المال لها، لكنها انتهت إلى السجن وفقدت القدرة على معرفة مصيرها.

ولفتت إلى أن الحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك كان من أبرز التحديات بعد الإفراج، إلى جانب رفض بعض أصحاب العمل توظيف النزيلات بسبب ماضيهن، ما يصعّب بدء حياة جديدة.

وأضافت أن هناك تسهيلات حدثت في منح الشهادة، وهو ما يساعد على إعادة دمج المفرج عنهن في المجتمع وفتح أبواب العمل أمامهن، ومنحهن فرصة عملية للبدء من جديد، مؤكدة أن وصمة السجن تعرقل الإصلاح حين يظل المجتمع يحاسب الإنسان طوال حياته على خطأ عوقب عليه.

وقالت إن النزيل ينبغي ألا يخجل من دخوله السجن، بل يتعامل معه باعتباره مرحلة انتهت، ويستفيد مما اكتسبه خلالها، ويتصالح مع نفسه ويبدأ مجدداً.

وأوضحت أن إخفاء الماضي والخوف المستمر من اكتشافه قد يمنعان الإنسان من التقدم في حياته، مؤكدة أن الأهم هو أن يتعلم من خطئه، ويستعيد ثقته بنفسه، ويثبت قدرته على أن يكون فرداً نافعاً في المجتمع، مستفيداً من الخبرات التي اكتسبها خلال التجربة.

وأشارت إلى أن لقاءات الاتصال المرئي أحدثت فرقاً في تواصل النزلاء مع أسرهم، خصوصاً أولئك الذين يعيش أهلهم في دول بعيدة، إذ كانت الزيارات المباشرة في السابق محدودة بسبب المسافات وتكاليف السفر وصعوبة التنقل. وأضافت أن التواصل عبر الفيديو سهّل على الأسر الاطمئنان إلى أبنائها، وأتاح للنزلاء الحفاظ على روابطهم العائلية، وهو جانب مهم في دعمهم نفسياً خلال فترة العقوبة.

وأكدت أن المؤسسة كانت تحرص على احترام القانون، وفي الوقت نفسه على مراعاة الاحتياجات الإنسانية للنزلاء، لأن العقوبة لا تعني إلغاء كرامة الإنسان أو حرمانه فرصة إصلاح نفسه.

وفي ختام حديثها، أعربت الزعابي عن أملها في التوسع في تطبيق العقوبات البديلة في بعض الجرائم البسيطة، خصوصاً الجنح والقضايا المالية، متسائلة عن إمكانية إتاحة الفرصة لبعض المحكوم عليهم للعمل وسداد ديونهم بدلاً من البقاء في السجن، متى سمحت طبيعة القضية والقانون بذلك.

فرصة عمل

عرضت العميد المتقاعد جميلة الزعابي، نجاح نزيلات في بناء مسارات مهنية بعد الإفراج عنهن، والعمل في قطاعات بينها العقارات والبنوك، فيما اشتهرت إحداهن مؤثرة في الموضة على مواقع التواصل، وتحدثت عن تجربتها الرياضية بالسجن، حتى تواصل أشخاص مع المؤسسة للاستفسار عن قصتها.

«بيج ماما».. نزيلة بدرجة أم

تحدثت جميلة الزعابي عن نزيلة تُعرف بلقب «بيج ماما»، محكومة بالسجن المؤبد، لكنها تحولت إلى أم حقيقية بالنسبة إلى كثير من النزيلات، اللواتي كن يحترمنها ويلجأن إليها. وكانت تجلس إلى جوار من تعاني الاكتئاب، وتتركها تسند رأسها إلى ساقها حتى تهدأ، وتحيطها بحنان الأم، مؤكدة قدرة الأمومة على التأثير في الآخرين مهما اختلفت خلفياتهم وظروفهم.

• وصمة السجن تعرقل الإصلاح حين تستمر محاسبة الإنسان على خطأ عوقب عليه.

By admin