
أكد مصابون بمرض «التصلب العصبي المتعدد» لـ«الإمارات اليوم»، أنه يتسلل إلى حياة المصاب من دون إنذار واضح، مصحوباً بأعراض تبدو عابرة أو غير مرتبطة بمرض محدد، قبل أن تتحول تدريجياً إلى تحدٍ يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، فيما ذكر أطباء أن أسباب التصلب العصبي المتعدد لاتزال غير معروفة بدقة، وهو مرض غير معدٍ ولا يُعدّ وراثياً بالمعنى المباشر، ويظهر في الأغلب بين 20 و40 عاماً، وتزداد الإصابة به لدى النساء، فيما تختلف أعراضه ومساراته من شخص إلى آخر، ويعتمد تشخيصه على مجموعة من الفحوص والتقييم السريري، لعدم وجود فحص واحد حاسم لتأكيد الإصابة.
وروت امرأة أن حياة ابنتها شهدت انعطافاً كبيراًَ، قبيل موعد حفل زفافها، بعدما عرف ذوو الزوج أنها مصابة بالمرض، وقرروا إلغاء الحفل ومشروع الزفاف.
وذكرت مريضة أنها تضطر إلى تحريك رأسها بالكامل لرؤية الجانبين، فيما تبدو الأجسام المرئية مقلوبة أحياناً عند أطراف مجال الرؤية.
وأكدت مصابة أخرى أن مشكلاتها الصحية متواصلة وقد أثرت في قدرتها على أداء مهام عملها، إلى أن أصبحت عاجزة عن المشي لمسافة تتجاوز 200 متر من دون مساعدة.
وبين اضطرابات الرؤية ومشكلات التوازن والذاكرة، يجد المصابون أنفسهم أمام مرض مزمن لايزال كثيرون يجهلون طبيعته، وتأثيراته الممتدة في الصحة الجسدية والنفسية.
وأوضحت الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد أن الإصابة بالمرض تبدأ، في الأغلب، خلال مرحلة الشباب، حيث يبلغ متوسط العمر عند التشخيص نحو 26 عاماً في دولة الإمارات، وتقدر نسبة انتشار التصلب المتعدد في الدولة بنحو 19 شخصاً من كل 100 ألف نسمة.
وأفاد متعايشون مع التصلب المتعدد بأن أبرز التحديات التي تواجههم تتمثّل في ارتفاع كُلفة العلاج والرعاية الطبية، وما قد يترتب على المرض من ترك العمل أو فقدان الدخل، والأعباء النفسية، بما فيها الاكتئاب والقلق، وتأثير المرض في العلاقات الاجتماعية والمشاركة المجتمعية، فضلاً عن الضغوط الجسدية والعاطفية التي يتحملها مقدمو الرعاية لهم.
ولفتوا إلى تفاوت فرص الحصول على العلاجات اللازمة، في ظل ارتفاع أسعار الأدوية، وعدم شمول بعض العلاجات بالتغطية التأمينية، ما يزيد الأعباء المالية على المتعايشين مع المرض وأسرهم.
الأجسام مقلوبة
وتفصيلاً، أكدت (أم أحمد) إلغاء حفل زفاف ابنتها بشكل مفاجئ، بعدما علم الطرف الآخر بإصابتها بمرض التصلب المتعدد، إذ رأى أن مريض التصلب المتعدد قد يُشكّل «عبئاً»، وأوضحت أن هذا الموقف ألحق بها أذى نفسياً، بعدما أُلغيت ترتيبات الزواج، بسبب ظرف صحي خارج عن إرادتها.
وذكرت نورة محمد (28 عاماً) أن رحلتها مع المرض بدأت قبل نحو عامين، بأعراض تزامنت مع التهاب الجيوب الأنفية، شملت الغثيان، والتقيؤ، والدوار، والتهاب العين، واضطراب الرؤية الجانبية.
وتابعت أنها راجعت طبيباً للأنف والأذن والحنجرة، وآخر للعيون، إلا أن مشكلات الرؤية استمرت، واضطرت إلى تحريك رأسها بالكامل لرؤية الجانبين، فيما كانت الأجسام تبدو مقلوبة أحياناً عند أطراف مجال الرؤية.
إجهاد عضلي
كما عاشت (أمينة) لفترة مع أعراض التصلب من دون تشخيص، عانت خلالها مشكلات صحية متواصلة، أثرت في قدرتها على أداء مهامها الوظيفية، إلى أن أصبحت عاجزة عن المشي لمسافة تتجاوز 200 متر من دون مساعدة.
ولدى مراجعة طبيب، شُخّصت بمرض التصلب العصبي المتعدد، وبدأت تلقي العلاج، لتشهد تحسناً ملحوظاً في حالتها، وتستعيد قدرتها على المشي من دون مساعدة.
وبدأت رحلة (أحمد) مع التصلب المتعدد في سن الـ17، حين شعر بوخز وتنميل في إحدى ذراعيه استمر نحو ثلاثة أيام، قبل أن يشخّص طبيب حالته خطأً على أنها «إجهاد عضلي».
ومع تفاقم الأعراض، لجأ إلى عيادة متخصصة، حيث كشف التصوير بالرنين المغناطيسي عن إصابته بالمرض، من دون أن يتلقى شرحاً كافياً عن طبيعته.
وأكد (أحمد) أن التشخيص أثار خوفه، خصوصاً بعدما أخبره الطبيب بأن المرض قد يؤدي إلى الوفاة، ما دفعه إلى العزلة والاستسلام للأفكار السلبية، بعدما كان يعيش حياة مملوءة بالنشاط.
وأضاف أن تدهور حالته، أفقده القدرة على أداء أبسط مهامه اليومية، وأدخله في حالة من الاكتئاب، وبفضل الرعاية الطبية في الإمارات نجح الأطباء في السيطرة على الأعراض، واستعادة وظائف جسمه تدريجياً.
تحدٍ طبي ونفسي
ويُعدّ التصلب العصبي المتعدد أحد أمراض المناعة الذاتية التي تصيب الجهاز العصبي المركزي، حيث يهاجم جهاز المناعة الغلاف المحيط بالأعصاب، ما يعرقل انتقال الإشارات العصبية.
وتختلف الأعراض من مريض إلى آخر، وقد تشمل ضعف العضلات، واضطرابات الرؤية والتوازن، والخدر والوخز، ومشكلات التفكير والذاكرة، ما يجعل التشخيص المبكر والتعايش مع المرض تحدياً طبياً ونفسياً، حيث يُصنّف إلى أربعة أنماط رئيسة: النمط الانتكاسي المتراجع، والنمط التقدمي الثانوي، والنمط التقدمي الأولي، والنمط التقدمي الانتكاسي، وتختلف بينها طبيعة الأعراض، وتطورها، وفترات الانتكاس، والتحسن.
تشخيص وتعايش
وأكد الأطباء أن أسباب التصلب العصبي المتعدد لاتزال غير معروفة بدقة، وهو مرض غير معدٍ ولا يُعدّ وراثياً بالمعنى المباشر، ويظهر في الأغلب بين 20 و40 عاماً، وتزداد الإصابة به لدى النساء، فيما تختلف أعراضه ومساراته من شخص إلى آخر، ويعتمد تشخيصه على مجموعة من الفحوص والتقييم السريري، لعدم وجود فحص واحد حاسم لتأكيد الإصابة.
ولا يقتصر تأثير المرض في الجانب الجسدي، إذ قد يُمثّل التعايش معه تحدياً نفسياً للمصابين، ما يجعل الاهتمام بالصحة النفسية والبدنية جزءاً أساسياً من رحلة العلاج والتعايش مع المرض.
طريق العلاج
وأوضح استشاري طب الأعصاب، الدكتور أنو جاكوب، أن أعراض التصلب المتعدد تختلف من مريض إلى آخر، ما قد يصعّب تشخيصه، خصوصاً عندما تظهر مشكلات صحية غير مترابطة أو غير مألوفة.
وشدد على أهمية الوعي بالمرض، والتأكيد بإمكان علاجه، موضحاً أنه يمر بمرحلتين رئيستين: الانتكاسية، التي تتوافر لها خيارات علاجية فاعلة وقد تستمر سنوات، والتقدمية، التي تتدهور خلالها حالة المريض تدريجياً، وتزداد صعوبة الحركة والتنقل، ما يجعل العلاج أكثر تعقيداً.
من جانبها، أكدت استشاري طب الأعصاب في مدينة الشيخ شخبوط الطبية في أبوظبي، الدكتورة عزة إسماعيل، أن أبرز تحديات التشخيص المبكر لمرض التصلب اللويحي تتركز في تشابه أعراض التصلب المتعدد في مراحله المبكرة مع العديد من الحالات الصحية الأخرى، فقد تظهر الأعراض على شكل تنميل، أو اضطرابات في النظر، أو دوخة، أو إرهاق، وهي لا توحي بالضرورة بوجود مرض عصبي، مشيرة إلى عدم وجود فحص واحد يمكنه تأكيد الإصابة بالتصلب المتعدد بشكل قاطع، لذلك يعتمد التشخيص على تقييم طبي دقيق يجمع بين الأعراض والفحص السريري ونتائج التصوير بالرنين المغناطيسي والفحوص الأخرى عند الحاجة.
الوصمة والدعم
وشددت إسماعيل على أهمية التواصل بين أفراد الأسرة والفريق الطبي المختص، لفهم المرض والتعايش معه، محذرة من أن نقص الوعي قد يدفع المرضى إلى إخفاء تشخيصهم، خشية الوصمة وسوء الفهم، بما قد يؤثر في قراراتهم الشخصية والمهنية، كالزواج والعمل.
ودعت إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأعراض التصلب المتعدد، لاسيما غير الظاهرة منها، مثل الإرهاق الشديد، وصعوبات التركيز والذاكرة والألم المزمن، بما يدعم تفهم المرضى والتعاطف معهم في بيئة العمل والمجتمع.
وأفادت مديرة قسم الأبحاث والتوعية في الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد، ياسمين متولي، بأن معدل انتشار المرض في الإمارات يُقدّر بنحو 19 حالة لكل 100 ألف نسمة، وتُمثّل الإناث 67% من المصابين، مقابل 33% للذكور، فيما يبلغ متوسط العمر عند التشخيص 26 عاماً، مشيرة إلى أن التشخيص في هذه المرحلة العمرية قد يتزامن مع قرارات مهمة تتعلق بالعمل وتكوين الأسرة، ما يستدعي توفير الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي منذ بداية رحلة العلاج.
وأكدت أن تشابه أعراض التصلب المتعدد مع أمراض أخرى يُعدّ من أبرز أسباب تأخر التشخيص، مشيرة إلى أن استطلاعاً أجرته الجمعية أظهر أن ثلث المتعايشين مع المرض داخل الإمارات يعانون أيضاً حالات مزمنة أو مناعية أخرى، ما يزيد تعقيد تشخيصهم وإدارة أعراضهم.
ولفتت إلى أن الجمعية تموّل أبحاثاً تستخدم الذكاء الاصطناعي، لتحليل صور الرنين المغناطيسي بدقة أكبر، ومساعدة الأطباء على التمييز بين التصلب المتعدد واضطراب طيف التهاب النخاع والعصب البصري، والحد من التشخيص الخطأ، مؤكدة أهمية التدخل المبكر وفق الإرشادات العلاجية الوطنية.
وشددت على أن تأثير التصلب المتعدد يمتد إلى أسرة المصاب ومن يقدمون له الرعاية، وليس إلى المريض وحده، ما يعكس أهمية الدعم الأسري، لاسيما عند التشخيص في سن مبكرة، بالتزامن مع اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بالعمل والعلاقات والمستقبل، مشيرة إلى أن استطلاعاً حديثاً أجرته الجمعية أظهر أن الصحة النفسية والدعم المجتمعي من أبرز المجالات التي تتطلب مزيداً من الاهتمام والدعم.
الخصوبة والزواج
أكدت استشاري طب الأعصاب في مدينة الشيخ شخبوط الطبية بأبوظبي، الدكتورة عزة إسماعيل، أن الأدلة العلمية الحالية تؤكد أن التصلب المتعدد لا يؤثر في الخصوبة أو فرص الحمل لدى المرأة المصابة، كما أنه لا يؤثر سلباً في سير الحمل في معظم الحالات، بل تنخفض معدلات الانتكاسات بشكل ملحوظ خلال فترة الحمل، لاسيما في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لافتة إلى أن الإصابة بالتصلب المتعدد لا تعني التخلي عن تكوين الأسرة والإنجاب. كما أن المرض لا يُعدّ وراثياً بالمعنى المباشر، ومعظم المصابات يمكنهن الحمل والإنجاب بصورة طبيعية.
رعاية ذكية
كشفت مديرة قسم الأبحاث والتوعية في الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد، ياسمين متولي، عن دعم الجمعية مجموعة من الأبحاث التي تُوظّف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، لتحسين متابعة المرضى ودقة التشخيص وتطوير خطط علاجية أكثر ملاءمة لكل حالة، من بينها أداة «LAMINATE» التي طوّرتها جامعة نيويورك أبوظبي باستخدام بيانات من الإمارات، لمتابعة التغيّرات في صور الرنين المغناطيسي بمرور الوقت.
وتشمل الأبحاث أيضاً تطوير مستشعرات قابلة للارتداء، لرصد الحركة في الحياة اليومية، واستخدام الواقع المعزز في إعادة التأهيل، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي، لتحليل صور الرنين المغناطيسي، وتقييم الاستجابة للعلاج، والتنبؤ بالعلاج الأنسب لكل متعايش مع المرض في الدولة. وأوضحت الجمعية أن هذه التقنيات لاتزال في مراحل البحث والتطوير، لكنها تمهد الطريق نحو رعاية صحية أكثر تخصيصاً لاحتياجات المرضى.
• %67 من المصابين المشخصين بـ«التصلب المتعدد» من النساء.
إلغاء حفل زفاف وفقدان القدرة على المشي.. شهادات إنسانية تُسلّط الضوء على آثار المرض، وأهمية التشخيص المبكر.