
دخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرحلة جديدة من تعزيز قدراته الدفاعية، إذ انتقل من مرحلة التعهدات بزيادة الإنفاق العسكري إلى اختبار التنفيذ الفعلي، وسط تحديات متزايدة تتعلق بسرعة تحويل الموازنات الضخمة إلى قدرات قتالية على الأرض.
عالقون بين روسيا وأمريكا
واعتبرت «وول ستريت جورنال»، أن حلفاء الناتو وجدوا أنفسهم عالقين بين روسيا، التي تزيد من عدوانيتها وتسليحها في الشرق، والرئيس دونالد ترمب الذي يشكك في أهمية الحلف غرباً، إذ أعلنت واشنطن خططاً لتقليص الالتزامات العسكرية الأمريكية تجاه أوروبا.
وقبيل قمة قادة الحلف المرتقبة في أنقرة، أكد الأمين العام للناتو مارك روته، أن التركيز لم يعد منصباً على الوعود، بل على تنفيذ الخطط الدفاعية، مشيراً إلى أن الدول الأعضاء مطالبة بتسريع إنتاج الأسلحة وتعزيز جاهزية قواتها لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
إنفاق قياسي وضغوط متزايدة
شهد الإنفاق العسكري لدول الناتو ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام الماضي، حيث بلغ نحو 574 مليار دولار، فيما رفعت ألمانيا وحدها إنفاقها الدفاعي إلى 114 مليار دولار، مع خطط للوصول إلى نحو 180 مليار دولار بحلول عام 2029.
إلا أن هذا التدفق المالي كشف أزمة جديدة، تتمثل في محدودية الطاقة الإنتاجية لشركات الصناعات الدفاعية، التي تواجه طلباً متزايداً على الأسلحة والذخائر، في وقت لا تزال فيه خطوط الإنتاج تعمل تحت ضغط الحرب في أوكرانيا واستنزاف المخزونات العسكرية الغربية.
وأكد روته أن الحلف اقترب من حدود القدرة الاستيعابية للصناعة الدفاعية، لافتاً إلى أن دول الناتو طلبت أسلحة من شركات أمريكية بقيمة تقارب 300 مليار دولار.
التجنيد والصناعة… تحديان رئيسيان
إلى جانب أزمة التصنيع، يواجه الحلف تحدياً آخر يتمثل في تجنيد وتدريب أعداد كافية من الجنود لدعم خطط توسيع الجيوش الأوروبية.
وحذر مسؤولون من أن تعدد برامج تصنيع المعدات العسكرية داخل أوروبا يقلل من الكفاءة ويرفع التكاليف، في وقت تحتاج فيه الدول إلى توحيد جهودها والتركيز على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى تطوير قدرات الاستخبارات والاتصالات والأنظمة غير المأهولة.
ترمب يضغط وأوروبا تستجيب
في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة مساهماتهم الدفاعية، معتبراً أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر داخل الناتو.
وخلال لقاء جمعه بترمب، وصف روته خطة رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي بأنها «تريليون ترمب»، في إشارة إلى استجابة الحلفاء للمطالب الأمريكية بتقاسم الأعباء العسكرية.
قمة أنقرة… من التمويل إلى القدرات
ومن المنتظر أن تشهد قمة أنقرة، إلى جانب المنتدى الصناعي المصاحب لها، الإعلان عن عقود دفاعية واتفاقيات إنتاج مشترك بمليارات الدولارات، بهدف تسريع تصنيع الأسلحة وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية.
ويرى مسؤولو الناتو أن نجاح الحلف لن يقاس بحجم الأموال التي تُنفق، بل بقدرته على تحويلها إلى أنظمة قتالية حديثة، مستفيداً من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، خصوصاً في مجال الابتكار السريع وتطوير الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية المتطورة، بما يعزز جاهزية الحلف لمواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.