• Thu. Aug 27th, 2026

24×7 Live News

Apdin News

«أم الإسعاف».. إماراتية تستبدل التقاعد بـ «مرحلة جديدة» من العطاء

Byadmin

Aug 27, 2026



لم تكن جميلة الزعابي تبحث يوماً عن لقب، ولم تكن طفلة مختلفة عن بقية بنات جيلها وهي تركض في «الفريج»، وتحلم بمستقبل يشبه أحلام الجميع، كانت كما تصف نفسها «مواطنة بسيطة جداً»، عاشت طفولتها مثل غيرها، لكنها كانت تحمل حلماً واحداً ظل يكبر معها عاماً بعد عام: أن تترك أثراً في حياة الناس.

قادها ذلك الحلم لاحقاً إلى واحدة من أصعب المهن وأكثرها إنسانية، لتصبح أول مسعفة إماراتية، ثم يتحول اسمها إلى لقب يعرفها به الجميع «أم الإسعاف»، اللقب الذي أطلقه عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بعد سنوات طويلة من العمل في الميدان، حيث خدمت الإنسانية في رحلة عطاء استمرت 36 عاماً، بينها 21 عاماً في مهنة الإسعاف، و15 عاماً كمسؤولة عن سجن النساء.

وراء هذا اللقب تختبئ حكايات لا يعرفها كثيرون عن امرأة تطوعت قبل أن تُكلّف، واحتضنت شاباً تسبب في وفاة شخص لأنها رأت فيه ابنها، وأدارت سجن النساء بقلب أم أكثر من عقل مدير، ثم اكتشفت في نهاية رحلتها أن الإنسان قد يتقاعد من الوظيفة، لكنه لا يتقاعد أبداً من رسالته.

وفي هذا الحوار مع «الإمارات اليوم»، فتحت جميلة الزعابي صفحات من حياتها، لتروي كيف صنعتها والدتها، وكيف صنعت منها المواقف «أم الإسعاف».

البداية من «الفريج»

قالت جميلة الزعابي لـ«الإمارات اليوم» إنها لم تكن تختلف عن أي فتاة إماراتية من بنات جيلها، موضحة: «كنا نلعب في (الفريج) ونحلم مثل الجميع بأن نكون شيئاً ونترك بصمة في الحياة، والحمد لله رب العالمين حققت هذا الحلم».

وأضافت أن حب العطاء كان جزءاً من شخصيتها منذ الصغر، ولو لم تلتحق بالإسعاف لكانت اختارت أي مجال آخر يخدم الإنسان، مؤكدة أنها لم تنظر يوماً إلى عملها باعتباره وظيفة تؤديها لساعات محددة، بل رسالة تعيشها كل يوم، مؤكدة أن حبها لبلادها كان دائماً الدافع الأكبر لها.

واستعادت الزعابي تفاصيل حريق القوز عام 2008، مؤكدة أنه كان من أكثر المحطات تأثيراً في حياتها المهنية، إذ كانت متجهة إلى حفل تخريج أول دفعة من فنيي الطب الطارئ الذين درسوا داخل الدولة، فكانت فخورة جداً بهم، لأنهم أول دفعة تتخرج على أرض الإمارات، لكن بلاغ الحريق غيّر كل شيء.

وأضافت «أنها لم تتردد لحظة فور تلقي البلاغ وتوجهت إلى الموقع فوراً، ولم يكن دورها يقتصر على إسعاف المصابين، بل الوقوف إلى جانب إخوانها في الدفاع المدني والشرطة والبلدية وكل الجهات التي شاركت في إطفاء الحريق، قائلة: «شعرت بأنهم يحتاجون إلى وقوف أختهم معهم، مثلما كانوا دائماً في ظهري».

وأوضحت أنها ظلت تعمل نحو 18 ساعة متواصلة، وكانت المرأة الوحيدة بين عشرات الرجال، لذا كانت تلك الحادثة بداية محطة مختلفة في حياتها، إذ أعقبها تكريم لا يمكن أن تنساه.

وأكدت الزعابي أن اعتزازها بكونها أول مسعفة إماراتية لا يرتبط بالسبق وحده، وإنما بالمسؤولية التي يحملها هذا الإنجاز.

وقالت: «طبعاً هو شرف كبير بالنسبة لي، لكن كما قلت إنني أول مسعفة إماراتية، أشعر بأن قيمة العطاء تكبر بداخلي، وأن عليّ أن أفتح الطريق لمن يأتي بعدي»، مستشهدة بقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «أنا وشعبي نحب المركز الأول»، لذا كان وجودها في هذا الموقع دافعاً لها للاستمرار، لا للاكتفاء بما حققته.

وقالت الزعابي إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هو من أطلق عليها لقب «أم الإسعاف»، مؤكدة أن هذه اللحظة ستظل من أغلى لحظات حياتها.

وأضافت باكية: «كلما شاهدت فيديو زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لتكريمي في منزلي، أشعر بطعم الحياة والحب والإيجابية»، مشيرة إلى أنها لم تشعر بأنه رئيس مجلس الوزراء أو حاكم دبي فقط، وإنما شعرت بأنه أب جاء ليطمئن على ابنته.

وأكدت أن أكثر ما أدهشها خلال الزيارة معرفة سموه بتفاصيل الحوادث التي شاركت فيها، إذ فوجئت به يقول إنه كان يتابع اسمها ودورها في حريق القوز، وحادث الجداف، وحادث الضباب، وشعرت وقتها بأن لدينا حكومة تتابع أدق التفاصيل.

وأضافت أن الزيارة لم تكن تكريماً شخصياً لها فقط، بل رسالة لكل مواطن ومقيم بأن القيادة قريبة من الناس، وتتابع أبناءها وتقدر جهودهم.

وتابعت: «حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما قال: (نحن نفتخر فيك) بالنسبة لي أكبر جائزة حصلت عليها في حياتي».

حادث لا يُنسى

وتوقفت الزعابي عند أصعب بلاغ تعاملت معه طوال سنوات عملها في الإسعاف، مؤكدة أن قسوة الموقف لم تكن في الحادث نفسه، وإنما في تفاصيله الإنسانية.

وقالت: «كان البلاغ عن حادث دهس، والمتسبب فيه شاب في الـ18 من عمره تقريباً، وهو العمر نفسه الذي كان عليه ابني في ذلك الوقت، وتسبب في وفاة شخص».

وأضافت: «ما إن رأيته حتى تخيلته ابني، وفي تلك اللحظة لم أكن جميلة المسعفة، بل جميلة الأم»، لافتة إلى أنها احتضنته وحاولت أن تهدّئه وتحتويه، لأن الأم عندما ترى ابنها في موقف صعب لا تفكر، وإنما تتحرك بقلبها.

وأكدت أن تلك الحادثة بقيت عالقة في ذاكرتها، لأنها علمتها أن المهنة وحدها لا تكفي، وأن التعامل مع الناس يحتاج دائماً إلى قدر كبير من الرحمة قبل أي شيء آخر، وفي النهاية يحاسب المخطئ.

أمّ في سجن النساء

وعن انتقالها من الإسعاف إلى إدارة سجن النساء، قالت الزعابي إنها لم تنظر إلى الأمر باعتباره ابتعاداً عن المجال الذي أحبته، وإنما فرصة جديدة لخدمة الناس بطريقة مختلفة.

وأضافت: «بعد 21 عاماً في الإسعاف، شعرت بأن الرسالة نفسها يمكن أن تستمر في مكان آخر»، فلم تفكر أنها تركت الإسعاف وإنما شعرت بأنها انتقلت إلى محطة جديدة في رحلة العطاء.

وأكدت أن طبيعة العمل داخل السجن غيّرت كثيراً من نظرتها إلى القيادة. ففي الإسعاف كنت صاحبة قرار، أما في السجن فأصبحت أكثر احتواء.

وأشارت إلى أن أكثر ما أسعدها خلال تلك المرحلة هو أن النزيلات لم يعدن ينادينها باسمها، بل يقلن «ماما»، لافتة إلى أنها كانت تشعر بأنها لا تذهب إلى عملها وإنما إلى بيت آخر، تاركة أولادها في المنزل، منطلقة كل صباح إلى بناتها في السجن.

واستعادت موقفاً طريفاً خلال زيارة أحد الوفود للمؤسسة العقابية، قائلة: «عندما وصلنا إلى عنبر الأحكام المشددة، سألني أحد الضيوف: (إحنا وين؟ فقلت له: هذا عنبر الأحكام المشددة)».

وأضافت: «كان ينظر باستغراب إلى النزيلات وهن ينادينني: ماما، فسألني: كيف تستطيعين فعل هذا؟ فقلت له: كما تربي أسرة أبناءها، كل إنسان له مفتاحه، وإذا وصلت إلى قلبه، سيستجيب لك».

وأكدت الزعابي أن أصعب لحظة في رحلتها المهنية لم تكن خلال حادث كبير أو موقف إنساني مؤثر، وإنما في يوم مغادرتها العمل.

وقالت: «لم أستطع العودة إلى مكتبي لأجمع أغراضي، لأنني كنت أعرف أنني لن أتحمل لحظة الوداع، وطلبت من زملائي أن يحضروا مقتنياتي إلى المنزل».

وأضافت أنها لم تكن تعلم أن زملاءها يعدون لها مفاجأة، قبل أن تشاهد لاحقاً فيديو يوثّق رحلتها ورسائل المحبة التي وجهوها إليها، قائلة: «عندما شاهدت الفيديو شعرت بأنني لم أكن أعمل مع زملاء فقط، وإنما مع أسرة عشت معها سنوات لا تنسى».

وأوضحت أن أكثر ما أثّر فيها، كما تقول، لم يكن فيديو الوداع، وإنما اتصال تلقته بعد إعلان تقاعدها من إحدى النزيلات وهي تبكي وتلومها على التقاعد.

وتابعت: «جلست أكثر من نصف ساعة أحاول أن أهدئها وأشرح لها أن لكل إنسان مرحلة، وأن الحياة لا تتوقف، لكن تلك المكالمة جعلتني أدرك أن ما يبقى في النهاية ليس العمل، وإنما الأثر الذي تتركه في قلوب الناس».

أبنائي أولياء أموري

وأكدت الزعابي أن قرارها استكمال الدراسة في مرحلة متقدمة من عمرها لم يكن سهلاً، خصوصاً أنه درست الجامعة في الخارج واحتاجت إلى التوفيق بين مسؤوليات العمل والأسرة والدراسة في الوقت نفسه.

وقالت: «درست الطب الطارئ وأنا كبيرة في السن، وكنت أشعر أحياناً بأنني أنانية، لأنني أدرس وفي الوقت نفسه عندي بيت وأبناء ومسؤوليات»، لافتة إلى أنها فوجئت بالدعم الكبير الذي وجدته من أبنائها، إذا كانوا أكبر حافز لها للاستمرار. وأضافت: «كان ابني يقول لي دائماً: أنتِ المرأة الحديدية، ولازم تكملي وكانوا يرددون دائماً: إحنا باكر بنمشي على خطاك».

وعن القيم التي تربت عليها، قالت الزعابي إن شهر رمضان كان يمثل مدرسة كاملة في العطاء داخل بيت أسرتها.

وأضافت: «كبرنا ونحن نشوف الباب ما يتسكر في رمضان، والأكل ما كان يجهز لأهل البيت فقط، وكنا نتنافس ونحن صغار على حمل صواني الطعام إلى الجيران، وكانت فرحتنا أننا نخدم الناس قبل أذان المغرب».

نادي الإيجابية

ورفضت الزعابي وصف المرحلة الحالية من حياتها بـ«التقاعد»، مؤكدة أنها تفضل تسميتها «مرحلة جديدة». وقالت: «لا أعرف لماذا يرتبط التقاعد عند البعض بالتوقف، بالنسبة لي هو بداية مختلفة، لأن العطاء عمره ما يوقف، والإنسان فقط يبحث عن مجال جديد يخدم من خلاله الناس».

وأضافت أنها أطلقت على هذه المرحلة اسم «نادي الإيجابية»، تعبيراً عن رغبتها في الاستمتاع بالحياة بعد سنوات طويلة من العمل، دون أن تتخلى عن رسالتها في خدمة المجتمع.


أم مثقفة

تأثرت جميلة الزعابي كثيراً عندما انتقل الحديث إلى والدتها، مؤكدة أن كل ما وصلت إليه يعود، بعد فضل الله، إلى التربية التي تلقتها منها، إذ كانت كل شيء بالنسبة لها، وبمثابة الأم والأخت والصديقة.

وأضافت أن والدتها لم تكتفِ بتشجيعها، بل وقفت إلى جانبها في أصعب المراحل، وربّت أبناءها عندما كانت منشغلة بالعمل أو الدراسة، مؤكدة أنه «لولاها لما استطاعت أن تكمل طريقها».

واستعادت «أم الإسعاف» موقفاً تعتبره نقطة تحول في حياتها، عندما أتيحت لها فرصة السفر مع الكشافة وهي في الـ11 من عمرها.

وقالت: «في ذلك الوقت كان كثيرون يرون أن سفر البنت وحدها عيب، لكن أمي كان لها رأي مختلف».

وأضافت أن والدتها قالت لها يومها: «العيب ليس في أن تسافري، وإنما ألا تحترمي نفسك وبلدك والزي الذي ترتديه، وأوصلتني بنفسها إلى المطار، وقالت لي: أنتِ تمثلين الإمارات قبل أن تمثّلي نفسك».

وأكدت أن هذه الكلمات رافقتها طوال حياتها، وكانت سبباً في شعورها الدائم بأنها تمثل وطنها في كل موقع عملت فيه.

وتابعت أن والدتها غرست فيها أيضاً احترام الرجل وتقدير دوره داخل الأسرة، وكانت تقول لها دائماً إن للأب والأخ والزوج مكانتهم، مؤكدة أن هذه القناعة جعلتها تؤمن بأن نجاح الأسرة يقوم على التكامل بين الرجل والمرأة، وليس على الصراع بينهما.

جميلة الزعابي:

• عندما قال لي الشيخ محمد بن راشد: «نحن نفتخر فيك».. كانت أكبر جائزة حصلت عليها في حياتي.

• في سجن النساء لم تكن النزيلات ينادينني باسمي، بل يقلن «ماما»، فلم أكن أشعر بأنني ذاهبة إلى عملي وإنما إلى بيتي الآخر.

By admin