تابع قناة عكاظ على الواتساب
قبل أيام، وفي إحدى القنوات التي تُتهم بالتعاطف مع المليشيا، وإن حاولت الظهور بمظهر الحياد، قلت إن الحوثيين في نهاية المطاف ليسوا روسيا ولا الصين وإن قدراتهم العسكرية، مهما تضخمت، تظل محدودة، وإن ترسانتهم من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ليست بلا نهاية. بدا الاستغراب، وربما الاستهجان، واضحاً على ملامح المذيع، وكأنني ارتكبت خطيئة بالتقليل من قدرات الميليشيا، كما تحاول بعض وسائل الإعلام تصويرها، رفض حتى التشكيك في قدرتها، في نهاية المطاف، هي مليشيا مسلحة، مهما امتلكت من أدوات الحرب ومهما تلقت من دعم خارجي.
والحقيقة أن الحوثي، منذ حروب صعدة الست وحتى اليوم، يعتمد على نمط عسكري وسياسي يكاد يكون ثابتاً في شنه هجمات خاطفة وعنيفة، يستهلك خلالها قدراً كبيراً من قدراته، ويضحي بأعداد كبيرة من مقاتليه، ثم يبحث عن هدنة يلتقط خلالها أنفاسه، ويعيد ترتيب صفوفه، ويعوض خسائره، قبل أن يستأنف الهجوم من جديد. لم تتغير هذه الإستراتيجية كثيراً، وإنما تغيرت أدواتها ووسائل تنفيذها. ففي حروب صعدة، كانت الوساطات القبلية ولجان التهدئة تؤدي دوراً مهماً في فترات توقف القتال، وبعض تلك الوساطات لم يكن بعيداً عن شبكات نفوذ المليشيا بل كانت جزءاً أصيلاً منها، أما اليوم، فقد أصبحت التحركات والوساطات الإقليمية والدولية جزءاً من المعادلة التي تحاول المليشيا توظيفها للحصول على الوقت الذي تحتاجه لالتقاط أنفاسها.
فالهدنة في حسابات الحوثي، ليست مدخلاً إلى السلام، وإنما مرحلة أخرى من مراحل الحرب، يجري فيها تحقيق ما تعجز عنه المواجهات العسكرية المباشرة، أو الاستعداد لجولة جديدة منها. واليوم، الحوثي أحوج إلى الهدنة من أي وقت مضى. حيث تمدد عسكرياً بشكل غير محسوب جيداً وبدافع من مصالح إيران في مناطق واسعة من تعز وغرب اليمن، واندفع نحو مناطق يفتقر فيها إلى الحاضنة الاجتماعية والسياسية اللازمة لتثبيت سيطرته. هذا التمدد، يحمل في طياته عناصر ضعفه؛ فكلما اتسعت مناطق انتشاره، ازدادت خطوط إمداده طولاً، وتضاعفت أعباء السيطرة، وأصبحت تجمعاته وتحركاته أكثر عرضة للاستهداف. وقد تعرضت قواته بالفعل لضربات جوية وعمليات عسكرية مؤثرة، ومقاومة شعبية قد تتحول قريباً لانتفاضة مسلحة ضد عناصره الأمنية التي يتركها على عجل لتأمين المدن والقرى التي سيطر عليها.
وفي الوقت ذاته، فإن الاستخدام المكثف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والذخائر يفرض كلفة استنزاف لا يمكن تجاهلها. صحيح أن حجم مخزون الحوثي الحقيقي غير معروف، وأنه يستفيد من شبكات إمداد ودعم خارجي، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الترسانة ليست مورداً لا ينضب، وأن تعويض الأسلحة النوعية ليس بالأمر الذي يمكن افتراض سهولته أو استمراره بلا حدود.
أما على الصعيد السياسي فقد تجاوز اندفاع الحوثي العسكري حدود الحسابات اليمنية، وأثار مخاوف إقليمية ودولية متزايدة، خصوصاً مع تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستهداف المصالح الحيوية في المنطقة. وبذلك لم يعد يواجه خصومه اليمنيين وحدهم، بل بات يضع نفسه أمام احتمالات أوسع من الردع والضغط والمواجهة الدولية وربما تشكيل تحالف دولي واسع على غرار التحالف الدولي لمواجهة داعش.
ويأتي كل ذلك في ظل التوتر المتصاعد حول إيران، واحتمالات تجدد المواجهات العسكرية الواسعة معها. وأي تحول جوهري يضعف قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين سينعكس بالضرورة على حسابات الحوثي، وربما على قدرته على مواصلة الحرب بالمستوى نفسه. الحوثي اليوم في وضع حرج وإن حاول الظهور بمظهر القوة التي تتحدى العالم أجمع لهذا أرى أنه أحوج ما يكون لتبديل جلده الخشن سريعاً ليرفع راية المظلومية بينما هو في حقيقته لا يبحث عن السلام بقدر ما يبحث عن الوقت. يلهث خلف هدنة تتيح له تحويل مكاسبه العسكرية إلى أمر واقع، وإعادة بناء قدراته، وترميم ما أصاب قواته وترسانته من استنزاف، وانتظار ظروف إقليمية أكثر ملاءمة ليعود مجدداً لرفع راية الحرب والقوة المزعومة في تناوب مخل بين إظهار القوة والضعف.
إنها، باختصار إستراتيجية البحث عن استراحة محارب أيديولوجي لا يؤمن بالسلام إلا بالقدر الذي يخدم مشروعه، ولا يتردد في العودة إلى الحرب كلما اعتقد أن الظروف أصبحت مواتية.