تابع قناة عكاظ على الواتساب
في المشهد الاقتصادي الواسع، تقف المعارض التجارية كحكايات تُروى عن نبض الأسواق وحيوية القطاعات، وتحمل في تفاصيلها وعداً باقتصاد أكثر اتصالاً ووعياً، غير أن بعض هذه الحكايات تفقد بوصلتها، فتتحول إلى فصول مكررة تختم سطورها قبل أن تبدأ أثرها، وحين أتأمل بعض هذه الفعاليات من موقعي، أرى أن الفشل لا يكمن في ضعف الحضور أو تواضع الصفقات، بل في غياب الروح التي تمنح المعرض معنى يتجاوز صفوف الأجنحة وصخب الممرات، إذ يصبح الحدث جسداً بلا ذاكرة وحركة بلا وجهة…
إنني أدرك أن الإدارة التي تنظر إلى المعرض بوصفه مناسبة لجمع الإيرادات الفورية تشبه من يقرأ صفحة واحدة من كتاب ضخم ويظن أنه امتلك الحكاية كلها، فالمعرض في جوهره كائن اقتصادي حي يتنفس من علاقات ممتدة تتشكل بين العارضين والزوار وصناع القرار، وحين تُختزل هذه العلاقات في معادلة حسابية باردة، تذبل القيمة الحقيقية للحدث وتتحول أيامه إلى عداد زمني منتظر الانتهاء، ويغيب الإدراك بأن الأثر الاقتصادي الأعمق يتولّد من تراكم الثقة وبناء الجسور بين الفاعلين في السوق، وهذه الجسور تحتاج إلى زمن أطول من أيام المعرض كي تكتمل ملامحها وتؤتي ثمارها.
أما الفجوة الثانية، فتتجلى في انفصال تصميم المعرض عن وجدان الزائر، إذ تُبنى الأجنحة وفق تصورات الإدارة عن اهتمامات الجمهور دون إنصات فعلي لأسئلته وتطلعاته، فيسير الزائر في متاهة لا تعرف منطقه ولا تلمس شغفه، وحين يضيع هذا الإحساس بالاتجاه، يتحول التجول إلى عبور بارد يبحث عن مخرج، ويفقد المعرض فرصة أن يكون رحلة اكتشاف تترك أثرها في الذاكرة الاقتصادية للأفراد، فيخرج الزائر محمّلاً بانطباع عابر سرعان ما يتبخر مع أول خطوة خارج البوابة.
يُضاف إلى ذلك ابتعاد المعارض عن منظومة الإبداع الوطني، فحين تعمل الفعاليات في عزلة عن الجامعات ومراكز البحوث وحاضنات الأعمال، تفقد صلتها بشريان الابتكار الذي يضخ الحياة في الاقتصاد، ويصبح المعرض واجهة تكرر ما هو كائن بدل أن يستشرف ما هو ممكن، وهذه العزلة تحرم الزائر من لحظة الدهشة التي تصنع الفرق بين حدث يمر وحدث يبقى، كما تحرم العارضين من فرصة التفاعل مع عقول جديدة تحمل أسئلة مغايرة ورؤى غير مألوفة تدفعهم نحو تطوير منتجاتهم وخدماتهم.
وأرى أيضاً أن غياب الذاكرة الرقمية للمعرض يجعله تجربة مبتورة تبدأ من العدم وتنتهي إليه، فكل تفاعل يسجله الزائر يملك قيمة كامنة يمكن أن تتحول إلى معرفة تراكمية توجه الدورات اللاحقة نحو الأفضل، وحين تهمل الإدارة التقاط هذه البيانات، تفقد القدرة على التعلم من تجربتها، فتعيد الأخطاء ذاتها دورة بعد أخرى، وكأن التاريخ يبدأ من الصفر مع كل افتتاح، ويصبح المعرض بلا ذاكرة مؤسسية تحفظ دروس الماضي وتستثمرها في صناعة مستقبل أكثر نضجاً.
في العمق، يُمثّل فشل المعارض قصوراً في فهم تحولات الاقتصاد المعرفي. أرى المعرض الناجح أقرب إلى جامعة مكثفة تختزل الزمن وتكثّف المعرفة، وأقرب إلى مختبر مفتوح تلتقي فيه الفكرة بالتمويل والرؤية بالتطبيق، وحين تدرك الإدارات هذا المعنى، تتحول من إدارة أحداث عابرة إلى صناعة أثر ممتد يتجاوز أيام المعرض إلى ذاكرة الاقتصاد نفسه، وهناك يكمن الفرق بين حدث يُحصي زواره وأثر يُحصي تحولاته.
وضمن هذه القراءة التحليلية، تتجلى المملكة العربية السعودية نموذجاً استثنائياً في تجاوز اختلالات المعارض التقليدية، إذ استطاعت أن تعيد تعريف وظيفة المعرض من حدث تجاري موسمي إلى منصة تنموية شاملة تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني.
ختاماً، تُجسّد المعارض السعودية روح الرؤية الطموحة، محققةً قفزات نوعية في الاستثمار والابتكار من خلال منصات استراتيجية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد الوطني، والبنية التحتية المتطورة، والشراكات العالمية، كما تواصل المملكة ترسيخ مكانتها وجهةً رائدة للأعمال والسياحة، وهذا الزخم الناجح هو امتداد لعزيمة قيادة رشيدة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.