بين جلسات علاج السرطان وقاعات الدراسة، خاضت الطالبة السورية نسمة غازي، رحلة شاقة لم تكن لتكتمل لولا عزيمتها وإصرارها على مواصلة تعليمها رغم التحديات الصحية والنفسية، فبدعم أسري لم ينقطع وإرادة تحدّت المرض، تُوّجت سنوات الكفاح بالتخرج من تخصص علم الاجتماع التطبيقي بامتياز مع مرتبة الشرف، لتثبت أن الأحلام أكبر من التحديات.
ويُشكل الدعم الإنساني الذي حظيت به نسمة غازي نقطة تحوّل حاسمة في مسيرتها، إذ تكفّل صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بعلاجها حتى تمام الشفاء، فيما منحها سموّ الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة رئيس جامعة الشارقة، منحة دراسية كاملة حتى التخرج، ما منحها فرصة التفرغ لمعركتي العلاج والدراسة، لتواصل طريقها بعزيمة حتى تُوّجت بامتياز مع مرتبة الشرف.
معركة الألم والأمل
وتستعيد نسمة في حديثها إلى «الإمارات اليوم» تفاصيل رحلتها، قائلة: «في مطلع عام 2024 تلقيت الصدمة الأكبر في حياتي بعد أن كشفت الفحوص إصابتي بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة. لم أكن أنا ولا أسرتي مستعدين لسماع هذا الخبر، ورفض الجميع في البداية تصديق التشخيص».
وأضافت: «وجدت نفسي أمام كمّ هائل من المعلومات المقلقة التي قرأتها عبر الإنترنت، وكل معلومة كانت تفتح باباً جديداً من الخوف على مستقبلي. أما والدي، فقد عاش صدمة كبيرة لأنه كان يدرك خطورة الحالة، لكنه أخفى مخاوفه عني ليبقى مصدر الدعم الأول في أصعب مرحلة من حياتي». وأوضحت أن والدها أصبح رفيق رحلتها اليومية في العلاج بسبب الظروف الصحية لوالدتها، فكان يرافقها إلى المستشفيات وجلسات العلاج الكيميائي والمراجعات الطبية، بينما شكّلت خالتها سنداً إضافياً. ومع بدء العلاج الكيميائي واجهت تحديات جسدية ونفسية كبيرة، إلى جانب الخوف من الآثار الجانبية التي قد تتركها في حياة أي فتاة شابة.
وقالت: «رغم كل ذلك لم تتوقف كلمات الدعم من أسرتي، وكانوا يؤكدون دائماً أن الطريق صعب لكنه يحتاج إلى الصبر والإيمان والقوة». وبعد ذلك خضعت لعملية جراحية كبرى تم خلالها استئصال الرحم والمبيضين ضمن الخطة العلاجية التي أوصى بها الأطباء.
توقعات طبية
وأضافت أن التوقعات الطبية كانت حذرة بسبب تقدم المرض، حيث أوضح الأطباء أن فرص الشفاء الكامل ليست سهلة، لكن الاستجابة للعلاج والإرادة تلعبان دوراً أساسياً في مسار التعافي. وخلال تلك المرحلة تجد في دعم أسرتها وأشقائها قوة استثنائية تساعدها على الاستمرار في العلاج.
ومع استمرار العلاج برز تحدٍ جديد تمثل في التكاليف الباهظة، خصوصاً بعد صدور قرار يقضي بتحمل أسرة المريض نفقات العلاج. وبما أن والدها متقاعد وغير قادر على العمل، بدت الأعباء أكبر من إمكانات الأسرة.
باب جديد من الأمل
وقالت: «في الوقت الذي كانت فيه والدتي تتلقى العلاج خارج الدولة، قررت أن أبحث عن أي باب للأمل، حيث تواصلت مع أحد برامج البث المباشر ورويت قصتي كاملة، متحدثة عن المرض والدراسة وظروف أسرتي والتحديات التي أواجهها، وبعد أيام تلقيت خبراً غيّر الكثير في حياتي، إذ أُبلغت بأن علاجي سيكون مكفولاً حتى تمام الشفاء على نفقة صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة».
كانت تلك من أكثر اللحظات تأثيراً في حياتي، حيث امتزجت دموع الفرح بدموع الامتنان داخل منزلنا، وشعرت للمرة الأولى أن الطريق، رغم صعوبته، لايزال يحمل الكثير من الأمل، وأن هناك من يمد يده للمرضى في أصعب ظروفهم. وأضافت: «رغم أن الفحوص اللاحقة أظهرت عودة بعض الخلايا المرضية وامتدادها إلى الكبد، وهو أمر قد يحدث في بعض الحالات المتقدمة، فإنني أواصل رحلتي بإيمان وثبات، مستندة إلى دعم أسرتي والرعاية التي تلقيتها، ومتمسكة بحلمي في استكمال تعليمي وخدمة مجتمعي».
بين أعباء الدراسة والعلاج
وفي خضم هذه الظروف، كان طلب والديّ الوحيد واضحاً، ألا أتخلى عن تعليمي مهما كانت التحديات. وبين أعباء الدراسة والعلاج، قررت أن أطرق باباً جديداً للأمل، فأرسلت رسالة إلكترونية إلى إدارة جامعة الشارقة شرحت فيها ظروفي الصحية والاجتماعية، وأوضحت أنني من أصحاب الهمم المسجلين لدى مركز الدعم في الجامعة.
ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى تلقيت رداً حمل لي ولأسرتي بارقة أمل جديدة، إذ أُبلغت بأن سموّ الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة رئيس جامعة الشارقة، وجّه بتكفل الجامعة بمصروفات دراستي حتى التخرج، تقديراً لإصراري على مواصلة تعليمي رغم الظروف الصحية الصعبة.
وأكدت أن الدعم الإنساني الذي تلقته منحها قوة إضافية للاستمرار، قائلة: «بعد تخرجي بامتياز، يظل التحدي الأكبر أمامي الحصول على وظيفة مناسبة أستطيع من خلالها دعم أسرتي. فوالدي يبلغ الـ70 من عمره ويعاني أمراض القلب، ووالدتي تتلقى علاجاً دائماً، وأصبحت أنا المعيلة الأساسية لهما. كما أتطلع إلى الاستقرار الوظيفي والحصول على الإقامة الذهبية بما يضمن حياة كريمة لأسرتي».
رحلة صبر صنعت التفوق
قال والد الطالبة نسمة، غازي الشيخ خضور: «لم أكن أباً فقط، بل شاهداً على رحلة استثنائية من الصبر والإرادة. منذ اللحظة الأولى لإصابة ابنتي بالسرطان فقد أدركت أنها تحتاج إلى القوة أكثر من أي شيء آخر، فحرصت على أن أكون سندها الدائم، وأن أخفي خوفي وحزني حتى لا تفقد ثقتها بنفسها أو قدرتها على مواجهة المرض».
وأضاف: «كانت رحلة العلاج طويلة وقاسية، تخللتها عمليات جراحية وجلسات علاج كيميائي وإرهاق جسدي ونفسي، لكن نسمة أظهرت شجاعة نادرة. ورغم معاناتها الصحية ومشكلات النظر التي ترافقها منذ الولادة، لم تتخلَّ يوماً عن حلمها في التعليم والتفوق».
وأوضح أنه كان يرافقها بين المستشفى والجامعة، ويرى حجم الألم الذي تواجهه يومياً، لكنها كانت تتمسك بالأمل وتواصل طريقها بإصرار، متحدية المرض والظروف في آن واحد.
وأكد أن الأسرة لن تنسى ما وجدته من دعم ورعاية واحتواء من دولة الإمارات، مشيراً إلى أن هذه المواقف الإنسانية شكّلت مصدر قوة وأمل في أصعب المراحل، وأسهمت في تمكين نسمة من مواصلة علاجها وتعليمها وتحقيق إنجازها الأكاديمي.
من جانبها، قالت والدتها هالة نصر عبود: «نعيش في الإمارات منذ أكثر من 30 عاماً، وهي موطننا وذكرياتنا. وعندما علمنا بمرض نسمة كانت الصدمة كبيرة، لكنني أكدت لها أن طريقها الوحيد هو المواجهة والإيمان والأمل».
وأضافت أن ابنتها لم تخض معركة السرطان وحدها، بل تحدّت أيضاً مشكلات النظر منذ الولادة، مؤكدة أن الدعم الذي حظيت به الأسرة من الإمارات سيبقى موقفاً إنسانياً محفوراً في الذاكرة، ورسالة بأن الإرادة قادرة على الانتصار على أقسى التحديات.
![]()
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news